هيأة المساءلة والعدالة

Wednesday
Jul 23rd
Text size
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
الرئيسية

الانتفاضة العراقية في الـ91

أرسل لصديقك طباعة صيغة PDF

 

 

الانتفاضة العراقية في الـ91:

تحطيم حاجز الخوف.. وخيانة الاحرار في العالم

إعداد وتحرير: القسم السياسي

لم تظلم انتفاضة او ثورة في تاريخ الشعوب كما ظلمت انتفاضة العراق الشعبانية/ الآذارية عام 1991. ولم تتبد عوامل خيانة ارادة شعب، من قبل احرار العالم، كما تبدت مع هذه الانتفاضة. فكان الحدث حدثاً مفصلياً، في تحديد موقف المثقفين والساسة العرب ازاء مأساة شعب، فغضت الغالبية ممن يدعون تمثيلهم لوعي (الامة!!) النظر عن استمرار الجريمة، بجريمة اكبر واشنع. خانها الاعلام العربي، والاعلام الدولي. وخانتها القوى العظمى التي جاءت الى المنطقة بدعوى احلال الحق وازالة الباطل، المتمثل باحتلال النظام البعثي لدولة الكويت. وكان من المنطقي ان يزال مسبب هذا الخطأ الجسيم، الذي كلف المنطقة والعالم اثاراً وخسائر منظورة واخرى بعيدة الامد، ليس اقلها اتلاف البيئة، بحرقه لابار النفط الكويتية، وسقوط الالاف من الضحايا من العراقيين والكويتيين وغيرهم.

ولعل استعادة ذكرى هذه الانتفاضة يأتي في اطارة اعادة الاعتبار لقيمتها التاريخية، ومن ثم من اجل تأشير اسباب فشلها. ونبدأ بمشاهد وشهادات من اناس عاصروا تلك الانتفاضة المجيدة.

مشهد اول

في كتابه (القسوة والصمت) يذكر الكاتب العراقي كنعان مكية المشهد التدشيني لهذه الانتفاضة التي حطمت، على حد وصفه جدار الخوف، الذي خيم على العراقيين طوال حقب تسلط النظام البعثي فيصوغ الصورة التالية:

جنود متعبون يصلون الى ساحة سعد، بعد انسحاب مذل من الكويت، ومطاردة قاسية ومتوحشة من قبل الطائرات الاميركية، احرقت العديد من جنود ومراتب الجيش العراقي وهم في عجلاتهم ودباباتهم.

يستدير ضابط عراقي، لم يعرف احد هويته حتى الان، ويشتم صدام، وسط جموع الجنود الغاضبة. ثم يدخل الى دبابته ويحرك سبطانة مدفعها، ويوجهها باتجاه صورة كبيرة لصدام عن مدخل مبنى المحافظة، وبقذيفة واحدة يحطم هذه الصورة، ويحطم حاجز الخوف، والرعب من صورة الطغيان، ولتنفلت الثورة من عقالها.

مشهد ثاني

اثار الانتفاضة تصاعدت، وتحركت مثل النار في الهشيم، وها هو كاتب من مدينة الديوانية يصف ذلك اليوم الذي شهد انطلاقة الشرارة في المدينة:

مع نهاية صباح السابع من اذار عام 1991 في يوم ربيعي كانت السماء صافية الا من غيوم قليلة في الافق ونسمات برد خفيفة. شهدت مدينة الديوانية يوما لن تنساه فلقد اعلنت انتفاضتها بوجه الطغاة بعد ايام حبلى بالانتظار وطول ترقب.

في صوب الشامية جموع غفيرة من الشباب من حيي رمضان والجزائر، الخزاعل يهرولون باتجاه مركز تدريب الديوانية والمعسكر للحصول على السلاح وكان لهم ما أرادوا... السلاح يتوزع في ارجاء المدينة جموع المسلحين تنتشر، ازلام البعث يختفون بعد ايام من استعراض عضلاتهم المرتجفة. لم تستطع بضع دبابات تجوب وسط المدينة تحسبا لانفلات الاوضاع ان تقوي معنوياتهم المنهارة. فحاجز الخوف الذي بناه البعث بدأ يتحطم.

في الجانب الاخر من المدينة (الصوب الكبير) الجماهير المنتفضة في الاحياء الشعبية (الجديدة) و(السراي) و(أهل الشط) و(الجمهوري) يقتحمون اوكار الدكتاتورية المتمثلة بمقر الجيش الشعبي ومبنى المحافظة واللذين سقطا امام لهيب الانتفاضة.

كل هذا جرى خلال ساعات، فلول البعث تنهزم وتتوارى عن الانظار، قادة الانتفاضة لا يعرف احدهم الآخر. شيوعيون، ديمقراطيون، اسلاميون يتحركون بشكل عفوي وجماهير تنخرط مع المنتفضين واخرى تكتفي بالترقب والانتظار.

"ضياء حمزة" اول شهيد يسقط وهو يعتلي دبابة رابضة قرب علوة الاسماك وهل هي مصادفة ان يكون اسم هذا الشهيد (ضياء).

وسط عدم الاستقرار دخلت فلول الحرس الجمهوري يوم الثالث والعشرين المدينة لتنهي حلم الخلاص وتفتك بخيرة ابناء المدينة.

مقطع من خبر

(في ليلة الخامس عشر من شعبان المعظم المنصرم كان العراق على موعد مع عرس الشهادة، والشعب المسلم على موعد مع الجهاد والثورة ضد النظام البعثي الديكتاتوري الحاكم في بغداد.

انها اعظم ثورة يقدمها تاريخ العراق الحديث بعد ثورة العشرين التحررية (15/ شعبان/1338) التي قادها مراجع الأمة وعلماءها كان على رأسهم الإمام المجدد الميرزا محمد تقي الشيرازي رضوان الله عليه.)

شهادة شاعر من البصرة: كاظم الحجاج


قبل ثلاثة ايام، او اربعة ، من بدء انتفاضة اذار 1991، كان جيشنا يواصل هروبه الكارثي من الكويت، الكثيرون عادوا مشياً من هناك، لان الاليات جميعها كانت تتعرض للقصف من كبد السماء.. والرجال لايبكون لكنك ترى البكاء سجيناً في الملامح المتعبة. كان الاكثر تاثيراً والادعى لبكائنا نحن اهل البصرة” المتفرجين “ هو مشهد المقاتلين الكرد بزيهم المميز وصف رصاصهم المخيف.

وكان النظام قد زج بهم مع بقية العراقيين. لكي يوزع الخزي على الجميع! وكان مع المقاتلين الجبليين الشجعان شيوخ فوق الستين. تجمع اغلبهم في كورنيش شط العرب، قريباً من تمثال” السياب “ وكأنهم يشهدون الشعر على .. اللاشعر ! وكان بكاء الكرد مستعصياً.. لكنك كنت تراه في ملامحهم القاسية الصلبة قساوة جبالنا هناك وصلابتها !.. وكان اليوم الثالث للتراجع ممطراً في البصرة. كان ضباطنا وجنودنا يخوضون في وحلين: وحل المطر ووحل الانكسار! وكان الجنود يغافلون قادتهم ويطلقون الى السماء بقايا رصاصات لم يتح لهم ان يطلقوها هناك الى اهدافها !. اصطحبت زوجتي لنلاقيهم باتجاه البصرة القديمة، وكانت هي تبكي بما يشبه الصراخ لمرأى جنود حفاة، وضباط نزعوا رتبهم خجلاً! .. باع بعض الجنود بنادقهم ليأكلوا ! وكان بعض البصريين يطعمون ضيوفهم من طعامهم الشحيح، ويعيدون اليهم بنادقهم! وكان بعض الرجال يقود جنديا من يده ويدخله الى بيته ليخرج الجندي الحافي وهو يرتدي حذاء صاحب البيت، او بدلته المدنية غير المبللة . وظلت زوجتي تصرخ .

والجنود يطلقون رصاصات غضبهم الى السماء. ويصرخون بنا:” ثوروا !! “ .. وكنا جميعاً مسلحين، كانت البصرة كلها مسلحة بسلاح” الخراب ! “ .. حتى بادرت دبابة عائدة الى توجيه سبطانة مدفعها الى جدارية” صدام “ ..ربما لان صورة” القائد العام للقوات المسلحة “ ، كانت تضحك .. تضحك من الجميع! وليتها ظلت البصرة كلها تطلق رصاصات الغضب الى السماء، منذ الصباح الى فجر اليوم التالي.. فجر الانتفاضة ! كان لغط الصباح مثل وتر مشدود من الارض الى السماء.. وكانت الجباه تعاني من خدر الهزيمة. وكنت خارجاً الى دائرتي. وقال لي رجل من جيراننا وكان متوتراً: عدا الى البيت المعارضة خرجت في” الحيانية “ وهم يتقاتلون مع البعثيين ! .. دائرة الامن القريبة من بيتنا عبر نهر العشار تتهيأ! خرج بعض” رجال “ الامن الى بناية قريبة من دائرتهم واحتلوا البناية ليباغتوا الثوار اذا هاجموا دائرتهم ! .. وانتشر فتيان لاتدري من اين جاءوا. بعضهم يملك البنادق والمسدسات . واخرون يحملون العصي والسكاكين” والدرنفيسات ! “ وكانوا هم طليعة الثوار .
باغتهم قناصة الامن من خلفهم فلاذوا الى الازقة القريبة. ورجال الامن يطلقون رصاصات مرعوبة في الفراغ.حتى جاءت الدبابة التي حصل عليها الثوار، وربما هي نفسها التي اطلقت الرصاصة الاولى على جدارية صدام.

وهكذا ابتدا الصباح الاول للانتفاضة المغدورة. وقبل حلول الظهر سيطر الثوار، لاتدري كيف، على كل شيء، سقطت مراكز الشرطة والامن والفرق الحزبية وشرطة المحافظة، وهرب الجميع وصار السلاح والعتاد الان بأيدي الثوار، بل انتمت اليهم الان ارتال من الدبابات!.. وكانت هذه مجريات اليوم الاول.

لم يكن هم الفتيان الثوار سوى الحصول على السلاح والعتاد.. وفي اليوم الثاني انقلبت الموازين! دخل اناس ملثمون ! راح بعضهم يطلق الرصاص على الجنود والضباط العائدين ! جرى كسر مخازن التموين من قبل” الملثمين “ انفسهم. وقيل للناس الجياع:” انهبوا ! .. “ وبعد النهب كان هناك المكلفون باشعال الحرائق !” كانت تلك خطة طوارئ الامن والحزب. وقد نفذت من قبل الملثمين لاجهاض الانتفاضة “ .. في البصرة القديمة احرقت مكتبة” فيصل حمود “ وكانت في شارع فرعي ! ومقابلها على الشارع الرئيسي مكتبة” قادسية صدام ! “ وصاحبها في الاستخبارات العسكرية.. لم يحرقها احد ! .. ومع هذا وصلت اخبار الانتفاضة الى محافظات الجنوب القريبة، لعل الجنود الهاربين باتجاه بغداد هم الذين نقلوا الخبر. 
ظل اهل” العمارة “ يتوقعون وصول ثوار البصرة الى مدينتهم ! وعند العصر يئسوا . 
لم يصل احد .. فثاروا بأنفسهم! ولم تكن هناك قيادة ابداً ! المبادرة الفردية والجماهيرية هي التي كانت تقود الشارع. ولم تكن هناك حتى حراسات منتظمة! ولم توزع منشورات للتوعية والتوجيه! وكان جهاز الراديو الذي يعمل بالبطارية مخيباً للامال ! وكان” صوت امريكا “ يصف الانتفاضة بعبارات غير مشجعة.

فمرة هي” فوضى “ وهي مرة” الاضطراب ! “ .. وكان الحرس الجمهوري الذي لم يدخل الحرب، ولم يتعرض الى ايذاء.. كان موجوداً حول البصرة ! وكان” علي حسن المبيد “ موجوداً في داخل البصرة ولم يتحرك يتحرك احد من الجوار!! .. وهكذا اجهضت كبرى ثورات العراق قياساً الى عدد المدن التي اسقطها الثوار.. وهكذا عاد” علي حسن المبيد “ يمارس رجولة النظام:” من مبتكراته انه حقن بطن امرأة بالبنزين .. وراح يطلق الرصاص على بطنها لتنفجر محترقة ! “ وهكذا جرى تمديد عمر” صدام حسين “ ثلاثة عشر عاماً. هي من اكثر اعوام العراق سواداً ! وهي من اكثر الثورات المغدورة التي تحمل دليل ادانة للجميع. الجميع من دون استثناء !

شهادة اخرى: الاستاذ حمودي جمال الدين

انتفاضة البصرة انطلقت فجر يوم 2-3اذار ومن منطقة الحيانية وليس 1-3 . .لم يقتل محافظ البصرة والمدعو العايد ابو دريد وهومن مدينة القائم كما ورد لا نه تمكن من الهرب مع مجموعة قيادة الحزب للمنطقة الجنوبية الى منطقة كرمة علي حيث المعسكرات الخلفيه للجيوش المشتركه في حرب الخليج واستقرو في رئاسة جامعة البصره ليتخذوها مقرا لهم .الجيش دخل المدينه في نفس اليوم الذي سقطت فيها كاملة اي مساء الا انه لم يستطع الدخول الى عمق احيائها بفعل المقاومه الشرسه التي كان يتعرض لها من قبل ابناء تلك الاحياء لكنه في البدا اكتفى بالسيطره على طرق المدينه الرئيسيه وشوارعها وبذلك تم له تقطيع اوصال المدينه وعزل احيائها بعضها عن بعض ومنع تنقل الافراد من حي الى اخر ,حيث تسنى له ذلك من تمشيط الاحياء بالمدفعيه والهاونات وقذائف الدبابات قبل اختراقها والسيطره عليها وبقيت بعض الاحياء تقاوم الجيش الى يوم يوم 15-3 عندما تمكن الجيش من عبور شط العرب من منطقة الجباسي والالتفاف على المدينه من الجانب الثاني لشط العرب حيث اسقطت منطقة الحكيميه وهي اخر حي يتم السيطره عليه في مدينة البصره وذلك يوم 15-3 وبذلك تكون المدينه بكاملها تحت سيطرت الجيش وليس في يوم 27-3 كما لم تدخل قوات بدر او او قوات من الحرس الثوري الايراني فهذا ادعاء روج له النظام بغية تشويه الانتفاضه بكونها جاءت من الخارج بدليل ان الجيش ركز كل ثقله على ضفاف شط العرب وخصوصا منطقة العشار تحسبا لدخول قوات بدر وكانت الاوامر الصادره لمدفعية الجيش والتي كنا نسترق السمع لها من خلال موجة الاف ام عن طريق الراديو ان( كثفو القصف على منطقة التنومه لا حتمال عبور قوات بدر) وهذا الذي لم يحدث ابدا رغم ان الناس كانت بانتظاره وبلهفة وشوق اليه الاانه لا ننكر انه تم تسلل بعض الافراد من التوابين بصفة فرديه ومن ابناء المحافظه ولكن ليس بصيغة نظاميه وفي اليوم الاول لانتفاضه البصره.
اما الشراره الاولى للانتفاضه فانطلقت من اهوار الناصريه ومن ناحية الفهود وذلك فجر يوم الجمعه المصادف الاول من اذار الخامس عشر من شعبان ليتسع لهيبها الى ناحية الطار وكرمة بني سعيد وسوق الشيوخ والتي سقطت جميعا بنفس اليوم اما مركز المحافضه فسقط في اليوم التالي والتي قتل فيه محافظ الناصريه المدعو الحاج طه من قبل الثوار وهو المحافظ الوحيد الذي قتل في المنطقه الجنوبيه علما ان مركز المدينه لم يستمر بيد الثوار اكثر من يومين حيث تمكن الجيش بمعونة الامن الخاص وبعض المرتزقه من العشائر من دخول المدينه وليس في يوم 27-3اماكما ذكر اما قضاء سوق الشيوخ وتوابعها فاستمرت بالمقاومه حتى يوم 21-3 اذ دخل الجيش فيها بعد ان حاصرها من محورين منطقة الاهوار ومن مدينة الناصريه فتمت السيطره عليها وهي اخر معقل ثوري سقط في المنطقه الجنوبيه عموما

لم تسقط محافظة الكوت بيد الثوار لكون النظام كان متهيئا لها بالكامل وزج فيها خيرة قوات الحرس الجمهوري تحسبا لاي طارئ وخصوصا بعد سقوط البناصريه والبصره بيد المنتفظين لان سقوطها يمهد الطريق الى بغداد الا انه حدثت مناوشات بسيطه في بعض احيائها مع الجيش وقمعت بكل عنف.عدا قضاء الحي التابع الى المحافظه والذي سقط بيد المنتفظين.

شهادة (3) : الباحث رياض الحسيني

بدأ الغضب الجماهيري ينتشر في أوساط الشعب العراقي والجيش في مدينتي الناصرية والبصرة في وقت متقارب منذرا بموعد اندلاع الانتفاضة الشعبانية- الاذارية تلاها سريان الشرارة التي حملت الشعارات الاسلامية والديمقراطية الى كل قرية ومدينة بدأً من الفاو الى العاصمة بغداد ، فتلاحمت القوى الخيرة بكل طاقاتها وانصهرت في مطالب محددة اتفقت كلمتها في حادث لم يسبق له مثيل في التأريخ العراقي الحديث . كان الهم الاول لكل الفصائل باختلاف اديولوجياتها ازاحة الكابوس المرعب الذي لف سماء وارض العراق . فاتحدت طبقات المجتمع وتطابقت رؤى الشيوعية مع الاسلام وشدت الطوائف ازر الجهاد وتوشحت بوشاح الايمان ولم تدع  للوساوس والتخيلات مجالا في برنامجها التغييري .فرفعت شعارات الاخوة والمواطنة والحقوق المدنية وحرية التعبير والرأي واطلاق سجناء الرأي والعلماء ووقف الهجمة الشرسة على الاسلام والمؤمنين فضلا عن وقف سياسة الاعدامات العشوائية .

المعنويات الهابطة للجيش بعد الضربات الموجعة التي وجهتها اليه قوات التحالف ، اتاحت الفضاء الاوسع للحركة الجماهيرية في التقدم نحو محافظات اخرى ومواقع جديدة . فانتفض الاخوة الاكراد في شمال الوطن وابناء الفرات الاوسط الامر الذي ادى الى سقوط 13 محافظة في ايدي المنتفضين من ابناء الوطن .

تمكنت الانتفاضة الشعبية من اقناع الالاف من افراد القوات المسلحة العراقية كي ينضموا إليها ويوجهوا بنادقهم صوب معقل الاستبداد مما اتاح المزيد من الدعم الميداني والمعنوي لدى الشعب محققا بذلك مكاسب فضلا عن استعداد الجماهير للاستشهاد الامر الذي ساعد على تذليل مصاعب كبيرة . فقد حققت هذه الانتفاضة طفرة نوعية وتغيير في التكنيك والذي افضى الى اتساع نطاق العمل المنظم والانتقال الى مرحلة جديدة من المقارعة هي اقرب الى الثورة منها الى الانتفاضة .

بعد مرور ثلاثة اسابيع من التقدم الجماهيري واطلاع القيادة الاميركية والدول الاقليمية على مطالب وشعارات الثوار ظهرت حسابات اخرى فاوعزت تلك القيادات وبغطاء ومباركة اميركية الى النظام بقمع الانتفاضة دون رحمة وبلا هوادة فانهالت قنابل النابالم على كل قرية ومدينة لاتخضع للحكم الفاشي .

مارست القوات التابعة للنظام ابشع مجازر لم تمارسها ادنى جيوش العالم خسة

ووحشية فالجيش الذي تأسس لحماية الوطن اصبح كابوسا يهدد امن كل بيت ويخطف ارواح مواطنيه دون حسيب ولا رقيب ، فيما صمّت الحركات التي تدعي التحررية والديمقراطية ومنظمات حقوق الانسان والامم المتحدة والدول العربية الاذان بل ذهب البعض ابعد من ذلك فبارك عمليات القمع والمقابر الجماعية فما دامت انها ضد العرب والمسلمين وليس ضد اسرائيل فلا بأس ؟!

استخدم النظام وكعادته في مثل تلك الظروف سياسات متعددة اهمها سياسة التجويع والترغيب والترهيب فضلا عن التعتيم الاعلامي .

حدث كل ذلك واكثر بعد طول انتظار تجاوز اليوم واليومين والاسبوع والاسبوعين ، كانت الجموع تشرأب اعينها لمشاهدة دخول القوات العراقية المرابطة على الحدود والتي طالما انتظرت هي الاخرى هذا الحدث ولكن شاءت النزعات والحسابات التي يصفها البعض بالشخصية والقرارات المتخوفة عن عدم المشاركة الا في النطاق الضيق الفردي الذي شهدته تلك الفترة العصيبة . حيث يرجع البعض في عدم نجاح الانتفاضة الى تقصير القيادة في واجباتها اتجاه الجماهير المغلوب على امرها .ولكن هل يعطينا هذا التقصير من جانب القيادة اذا سلّمنا به الحق في التهكم والتجاوز على عمل الحركة الاسلامية وتحميلها عبئا وتقصيرا تأريخيا لا طاقة لها لحمله ؟

شهادة يتيمة من كاتب عراقي

وبالعودة الى دور الاعلام العالمي ودور المثقفين العرب في نصرة هذه الانتفاضة الشعبية الحقة، يداهمنا اليأس والالم، فمعظم المثقفين العرب وقف مع نظام صدام، وسعى لتشويه صورة الانتفاضة، وأستمرأوا جرائم النظام البعثي التي تبعت احباط هذه الانتفاضة، وصمتوا عنها، حتى ان كاتباً عراقياً مثل كنعان مكية، وهو اول من بادر الى توثيق هذه الانتفاضة، تعرض الى هجمات شديدة من قبل الاعلام العربي، لا لشيء إلا لكونه وثق هذه الانتفاضة وادان الصمت العربي، وادان التواطؤ الاميركي على الانتفاضة، واشر بواطن فشلها، واسباب انتكاستها.

كتابه (القسوة والصمت: الحرب والطغيان والانتفاضة في العالم العربي) هو واحد من الكتب اليتيمة والمعدودة التي تناولت حرب احتلال الكويت ثم خروجها من يد الطاغية، وما تبعها من انتفاضة العراقيين ضد الظلم والجور في شتاء عام 1991 .

ويوضح الكتاب أن أزمة الخليج لم تكن مجرد مسألة تدخلات أجنبية أو رجل شرير يلعب دوره، بل كانت في الأساس فشلا أخلاقيًا عربيًا ذا اتساق تاريخي، يجد، بكل من يهتم بمستقبل هذا الجزء من العالم أن يشعر حياله بمسؤولية شخصية. فهناك شيء ما في مكان ما من المسار العربي الحديث كان مخطئًا على نحو عميق، وصدام حسين لم يفعل سوى تجسيده وتمثيله.

وفي هذا الكتاب لا يدعي المؤلف أنه استطاع تفسير الخلل، وإنما هدفه الاعتراف به ووصفه. فوسط عاصفة العواطف التي أثارتها حرب الخليج، تراءت له أن "القسوة والصمت" هما صياغة ذلك الواقع. والقسوة والعنف يتقاطعان من غير أن يكونا واحدًا. وكما افاد موقع النيل والفرات ـ يرى المؤلف أنه يمكن تبرير العنف، تبعًا للأهداف التي يُسعى إليها (مثلاً فعل الدفاع عن النفس). وقد يكون هناك عنف بين ندَّين في المقابل. لكن لا يمكن البتة تبرير القسوة لأنها تقوم على تقصد إلحاق الأذى الجسدي بأفرادهم في موقع الضعف. ذاك أنه لتكون هناك قسوة، ينبغي أن يكون هناك شكل من الخضوع والعجز. والقسوة السيكولوجية والاجتماعية لا تدخل في حيّز ما يطرحه هذا الكتاب ولكنها تتأتى إلى حدّ بعيد عن القسوة الجسدية، وتغذيها. فالاعتداء على الجسد البشري بالقوة أو بواسطة أداة ما ينم عن خاصة غير عقلانية، متجذرة ولا يمكن اقتلاعها. إنها القاع الصخري القائم تحت كل طبقات الأمور الفظيعة التي يفعلها البشر بعضهم بالبعض الآخر.

والقسوة التي المؤلف بصددها لا علاقة لها البتة بـ"الجينات" أو "الأسباب ما قبل التاريخية"، بل إن مسببها سياسي وتأثيرها عالمي، ومجرد حدوثها هو بمثابة إهانة لإنسانية الجميع، وهذا ما يجعلها تخترق الحساسيات والحدود الوطنية والدينية. لقد تفاقمت قسوة من هذه الصنف الكوني في أجزاء عديدة من العالم في السنوات الأخيرة، وبنسب تختلف سرعةً وبطئًا. وأحد الأسئلة الرئيسية المطروحة في القسم الثاني من هذا الكتاب هو: هل تفاقمت القسوة في العالم العربي في العقدين الأخيرين؟ فإن كان الأمر كذلك، ما هي الأشكال التي اتخذتها؟.

لقد تعاظمت بالتأكيد خلال الثمانيات في العراق، والدورة الأخيرة من الغزو والاحتلال والحرب والانتفاضة، التي أطلق صدام حسين عنانها من المنطقة، انتهت.. وبات لدى كل عربي شيء ما ملح يقوله بشأن المسألة، إلا أن ما هو أهم، أن ضحايا القسوة بدأوا يتكلمون، ويرون القصص كما لم يفعلوا قط من قبل. وقد أراد المؤلف لكل تلك الكلمات الجديدة التي كانت تتدفق متعثرة أن تكتب هذا الكتاب نيابة عنه.

وبهذا المعنى كان القسم الأول من الكتاب رحلة إلى داخل تلك القسوة، مروية بكلمات الأشخاص الذين عاشوا تجربتها بالدرجة الأولى. ودور المؤلف كان تحويل كلمات أبطال هذا الكتاب "خليل، أبو حيدر، عمر، مصطفى وتيمور" إلى قصص وأخبار عن الأمور اللامعقولة التي في استطاعة الكائنات البشرية أن يفعلها بعضها ببعض. ومن زاوية أخرى، فإنه وفي الماضي كان الغرب الواسع النفوذ يتلاعب في مصير العالم ويقرره، وما زال ذلك قائمًا إلى حدٍّ أو آخر اليوم.

وهدف الجزء الثاني من هذا الكتاب هو إظهار كيف أن أهل الفكر في العالم العربي حوّلوا "التاريخ" إلى حالة ذهنية سياسية فاسدة كليًا، تتعارض مع وضع العرب الحقيقي. والكثيرون من العرب علموا أن خللا ما فظيعًا حصل داخل العالم العربي، لكنهم قرروا عدم الجهر به، ولا سيما أمام جمهور غربي. وبذلك بات هذا النوع من المثقف جزءًا من المشكلة بدل أن يقف في راس العاملين على حلها.

فصل ختامي

لقد سعى كنعان مكية، ومن ثم اشخاص اخرون قلائل الى الاحاطة باثار الانتفاضة العراقية الشعبية في 1991، وهم يثبتون ان خفايا هذه الانتفاضة تحتاج الى اجراء مداد كثير.

ولعل جزءاً من هذه الخفايا، يكمن هناك، في ملفات الادارة الاميركية، وفي تلك الوثائق التي تؤشر دور (كولن باول) وزير الخارجية الاميركي الاسبق، والذي كان في منصب عسكري رفيع في وقت ادارة بوش الاب، وكانت الدبابات الاميركية قد وصلت، من الصحراء، على مشارف الناصرية. وبدا حينها ان اسقاط النظام البعثي كان قاب قوسين او ادنى، وسط مناخ من الشعور بالمهانة في الاوساط الشعبية العراقية، واحساس عظيم بالغيض من رعونة النظام ورأسه، وفيض الكيل بالظلم والاظطهاد الذي تجرعه الشعب من يد هذه السلطة ورأسها الممثل بشخص الطاغية.

كان سقوط النظام ثمرة دانية، قريبة من ايدي القطعات العسكرية المتحالفة. بل ان قوات الجيش الفرنسي كانت على مشارف كربلاء والنجف، ووصل الى قياداتها، مبعوثون من (محرري) هاتين المدينتين من ايدي البعثيين، من اجل نصرة الثورة. لكن كولن باول نصح الرئيس الاميركي وقتها بعدم دعم الانتفاضة، وتسهيل الامر لقيام حكومة (شيعية) مدعومة من ايران حسب رأيه.

هذا الرأي كانت تقف وراءه وبقوة اطراف في المملكة العربية السعودية وبعض الدول الخليجية، التي فضلت بقاء صدام على قيام نظام تنتجه الثورة الشعبية، يمنح الحق للفئات المغيبة في المساهمة الفاعلة والاساسية في حكم البلد والتخطيط لمصيره.

وهناك شهادات كثيرة لا يمكن حصرها في هذا المقام، تتحدث عن مشاهدات عيانية لتزويد قوات التحالف في وقتها للطائرات العراقية بالوقود، من اجل تسهيل مهمتها في قمع الانتفاضة.

بل ان الكثير من الاطراف العراقية المعارضة تحدثت في وقتها ان دور اميركا وصل الى حد (الخيانة) استناداً الى وعود سبقت حرب تحرير الكويت، بدعم أي انتفاضة شعبية عراقية تسعى لاسقاط النظام الديكتاتوري.

رغم ذلك، ورغم الكوارث الانسانية التي نتجت عن فشل الانتفاضة العراقية، على يدي القوات القمعية للنظام المباد. إلا ان العديد من الباحثين يتفقون ان بداية سقوط هذا النظام بدأت في صبيحة ذلك اليوم الذي شهد اول شرارة لبدء انتفاضة الـ1991.

وان حملات التشويه التي طالت هذه الانتفاضة لم تأكل من جرفها، ولم تخفت من بريقها، بكونها الرد الذي جعل المبادرة في ايدي العراقيين، وكسر حاجز الخوف من اعتى نظام استبدادي قمعي عرفه التاريخ البشري المعاصر.


تم التحديث فى ( الجمعة, 14 فبراير 2014 16:07 )