اخر الاخبار

ياسين العطواني

كان منظراً يُثير الشجون، ويبعث الغبطة في النفوس، وأنت تشاهد أجراس كنائس برطلة وقره قوش تُقرع من جديد بسواعد المحررين الفاتحين، وقد أفزعت بترانيمها خفايش الظلام التي كانت تُعشش في زوايا تلك الكنائس. لقد تم تهجير هذا المكون الأصيل من أبناء العراق على يد الغرباء القادمين من جحور تاريخ القرون الوسطى وصفحاته المظلمة. وكانت هذه العملية المُستهجنة تشير الى إعادة رسم خريطة المنطقة، وبداية لخطوة أكثر أتساعاً وخطورةً، وتتعلق بتغيير الواقع الديموغرافي لبعض المحافظات والمدن العراقية التي أستولت عليها المجاميع الإرهابية، من خلال أستهداف مكونات وشرائح محددة ، وذلك لتحقيق أهداف وغايات سياسية على المدى القريب والبعيد. وهذه الحقيقة يجب ان يلتفت أليها الجميع، فالأمر أكبر من مجرد تهجير عوائل، بالرغم من بشاعة هذه الجريمة. وقد توجت هذه العملية بتهجير وترحيل الأصلاء من سكان الموصل. ومن أبرز المكونات ولا أقول الأقليات التي أستهدفها هذا التهجير بالأضافة الى الشبك والتركمان كان المكون المسيحي، هذا المكون العراقي الأصيل، الذي يمثل ملح أرض وادي الرافدين، وناقوس حضارة العراق، الذي ظل يدق بترنيماته العذبة عبر التاريخ.

ان التمعن بأصول وخلفيات الجهات التي تبنت سياسة التهجير القسري، والتغيير الديمغرافي في مدينة الموصل سنجد انها لا ترتبط بهذا البلد بأي رابطة، وطنية، او عرقية، وحتى دينية، فهم غرباء أتوا من خلف الحدود، وبالتالي فهم لا يحملون اي هوية وطنية ، فالذي يحمل مثل هذه الهوية يعرف تماماً مكانة ودور المكون المسيحي في أثراء الحضارة العراقية، حيث كان للمسيحيين العراقيين القدح المعلى في بناء الصرح الحضاري لوادي الرافدين . ويكفي ان نشير هنا الى دورهم في نقل التراث الأغريقي الى العربية من خلال حركة الترجمة ، وخاصة ً أيام الدولة العباسية، والتي أدت الى ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، حيث ان الفلسفة الاغريقية نقلت الى العربية بفضل المسيحيين العراقيين .

وأذا حاولنا تصفح تاريخ هذا البلد سنجد ان مبدأ التعايش السلمي كان الصفة المميزة التي عُرف بها المجتمع العراقي عبر تاريخه الموغل في القدم ، وهناك الكثير من الشواهد التاريخية التي تؤكد ذلك، حيث كان يسود المجتمع نوع من التسامح الديني والتعايش السلمي بين مختلف المكونات. وحتى بعد أنتشار الأسلام بقيت الكنائس تمارس طقوسها ، ويروى في هذا الشأن ان الأمام علي (ع) أثناء خلافته في الكوفة مرَّ بأحد الأديرة ، وكان الناقوس يدق فسأل الذين كانوا معه ، ماذا يحكي هذا الناقوس ؟ فقيل له يا أمير المؤمنين وهل يتكلم ؟ قال الامام (ع) نعم يتكلم، وبدأ يفسر نغمات ودقات الناقوس، مؤكداً فيها نوع من العبادة والتوحيد لله سبحانه. وعندما جُرح الأمام علي في 19 رمضان جيء له بطبيب مسيحي من منطقة عين التمر . ان هذه الشواهد التاريخية الحية وغيرها الكثير تؤكد طبيعة التعايش السلمي الذي تميز به المجتمع العراقي . وهكذا كان للتنوع الثقافي والروحي والمعرفي الأثر الكبير في أثراء الحضارة العراقية ، وجعلها بهذه الصفة من التميز والتفرد ، وهذا التنوع أيضا هو الذي ساهم في وضع اللبنات الأولى في صرح الحضارة الأنسانية التي ظهرت في بلاد الرافدين ، لذا يجب ان يشعر هذا المـُكون الذي نشأ وترعرع على ضفاف دجلة والفرات بان له مساهمة واضحة في هذا البـُنيان الحضاري .

ما نود التأكيد عليه هو ان مبدأ التعايش السلمي كان متأصلاً في هذه البلاد ، وان سبب وجود هذا الأرث الحضاري لبلاد مابين النهرين هو بسبب مساهمة ومشاركة جميع مكونات الشعب العراقي في بناء هذا الأرث. وأذا أريد لهذا النسيج ان يستمر بهذه اللُحمة فليس أمام مكوناته إلا التمسك بتلك الثوابت الحضارية المتوارثة والتي حافظت على هذه اللــُحمة ، وقد تمثلت باحترام هذه التعددية وعدم التقاطع معها تحت اي مبرر او ذريعة من قبل كل المكونات المجتمعيه ، وهذا بطبيعة الحال لن يتم الا بعد ان تسود لغة التسامح وأحترام حرية المُعتقد.