اخر الاخبار

اليوم العالمي للعمل التطوعي

يحتفل العالم في الخامس من كانون الأول من كل عام باليوم العالمي للعمل التطوعي، وهو التاريخ الذي أعتمد من قبل الأمم المتحدة العام 1985، تكريما للعمل التطوعي

ودعماً لدوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، كما يهدف الاحتفاء بهذا اليوم الى نشر ثقافة العمل التطوعي بين المجتمعات المختلفة. وبهذه المناسبة علينا التوقف أمام مفهوم ثقافة العمل التطوعي ، فمن المعروف ان هذه الثقافة من الثقافات المستحدثة التي يفتقر اليها مجتمعنا، وهذا الأمر لا يعني قصورا في كينونة هذا المجتمع، وإنما يعود ذلك الى فلسفة الدولة وطبيعة النظام السياسي والاجتماعي المتبع، وهو ما حصل بالفعل طوال العقود المنصرمة، فقد غــُيّب هذا المفهوم وهذه الثقافة تماما عن هذا المجتمع، لهذا لم يكن للفرد او المجتمع أي دور او مساهمة في صنع الأحداث او المشاركة فيها، واختصر الدور على تلقي الاملاءات وتنفيذها. وكان يفترض ان تكون ثقافة العمل الطوعي، كفضيلة انسانية ووطنية، وسلوك اجتماعي نبيل في مجتمعنا وبلادنا أكثر انتشاراً من بقية المجتمعات والبلدان، على اعتبار ان ذلك من صلب قيمنا الروحية والحضارية، وما تحمله من مفاهيم موروثة، تحضنا جميعا على عمل الخير والتطوع ومساعدة الآخرين، إلا ان هذه القيم قد أصابها الخمول والتشويه وعدم الفعالية.

ومن المفارقات العجيبة ان العمل التطوعي لم يحظ في أية ثقافة أجنبية بمثل المكانة التي حظي بها في الثقافة العربية والاسلامية، ومع ذلك فإن ثقافة التطوع في المجتمع العربي الاسلامي المعاصر تتسم بدرجة متدنية من عدم الفعالية في معظم البلدان، في حين أصبحت أحد أهم ركائز العمل الاجتماعي والتنموي في البلاد الغربية، وأصبح التطوع جزءا أساسيا من حياة غالبية الناس في تلك البلدان. ولعل السبب الرئيس في اضمحلال وتدهور العمل التطوعي في عموم دول العالم الثالث يعود الى طبيعة النهج السياسي والايديولوجي الذي تتبناه الأنظمة السياسية في تلك البلدان، والمتضمن عدم السماح للمواطن من المشاركة في الحياة العامة، ناهيك عن العمل السياسي والاجتماعي. إلا ان هذا المفهوم لم يعد مناسبا في العصر الحديث بسبب تعقيدات الحياة وتشعباتها وتطوراتها ما جعل الدولة لا تمتلك الأدوات الكافية التي تستطيع من خلالها ان تدير جميع شؤون المجتمع بكل تفاصيله، فلهذا جاء مبدأ الشراكة الاجتماعية ومفهوم العمل التطوعي الحر، وعادة ما تقوم مؤسسات المجتمع المدني بهذا الدور المهم ، وتخفف عن كاهل الحكومات وذلك من خلال مشاركة المواطنين في إدارة شؤون مجتمعهم، وتنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع على انها علاقة تعاقدية أساسها القانون والحقوق والواجبات، وشراكة تُحدد فيها المسؤوليات والأدوار على الطرفين. ومن هنا يقوم المجتمع المدني على عدة ركائز أهمها التطوع الاختياري الحر في العمل الجماعي القائم على تجميع الطاقات الفردية وزجها في المشاريع المختلفة والنمط المؤسسي في العمل القائم على التنظيم والإدارة لتحقيق أهداف معينة على المدى البعيد، وهو أيضاً يقوم على مبدأ الاستقلالية في العمل والنشاط، فكلما ابتعدنا عن المركزية والبيروقراطية والعمل الحكومي كلما كان التطوع أكثر فعالية وتأثيراً في المجتمع، مع الالتزام بمنظومة القوانين المرعية في البلاد والتقيد بها، فالعمل المدني والتطوعي هو عمل تكاملي وتعاوني مع الحكومة، ويتطلب التزاماً تاماً بالأنظمة والقوانين، ويراعي أخلاقيات المجتمع والعرف والتقاليد السائدة، ولا يعمل ضد الأنظمة والقوانين، بل هو لبنة أضافية من لبنات المجتمع. لذلك يجب ان تكون هنالك ضرورة لتبني المفاهيم الحديثة التي تنسجم مع الواقع الاجتماعي والثقافي للمجتمع العراقي، التي تصاحب عملية التغيير والتحول السياسي الجاري في البلاد. وهذه الدعوة موجهة الى المؤسسات والجهات الرسمية وغير الرسمية، والمراكز البحثية والاعلامية المتخصصة، بدعم العمل التطوعي ونشر هذه الثقافة بين الناس، وعلينا ان ندرك ان الرغبة والحماس في التطوع موجودة لدى الكثير من أفراد المجتمع، ولكنها بحاجة إلى التنظيم والتوجيه، لهذا فلا يكفي فقط وجود روح المبادرة والحماس والرغبة في العمل التطوعي لدى أفراد هذا المجتمع ولكن لابد من فتح المجال لذلك وتوجيههم واعطائهم الثقة بالنفس وذلك من خلال إنشاء جمعيات غير حكومية للمتطوعين ومراكز للتدريب لدراسة امكانات المتطوعين وتوجيههم للمكان الصحيح وتلقيهم التدريب الفني والإداري ليكون التطوع بذلك قائماً على أسس علمية ومنهجية صحيحة حتى يحقق الهدف المطلوب منه. فالتطوع يعبر عن إرادة وطنية نابعة من تصميم أفراد المجتمع على النهوض والتقدم والأخذ بزمام المبادرة في مواجهة القضايا الاجتماعية وهو بذلك يعكس درجة وعي وفعالية هذا المجتمع وتماسكه وإرادته الحرة في البقاء والعيش والتقدم.

 

 ياسين العطواني